الخميس، 18 مارس، 2010

المحميات الطبيعية في العالم العربي

المحميات الطبيعية في العالم العربي

تنبهت معظم الدول العربية في السنوات الخمسين الأخيرة إلى الأضرار الجسيمة التي ألحقها الإنسان العربي بالطبيعة التي يعيش في أحضانها. وقد شملت هذه الأضرار الأرض وما عليها وما ينبت فيها من أشجار برية ونباتات مفيدة حيوانات تعايشت مع الإنسان في هذه البلدان أجيالاً طويلة. حتى أن بعض الأودية والوهاد التي كانت خصبة في يوم من الأيام أصبحت جرداء قاحلة. وبعض الجبال القليلة أصلاً في الكثير من بلدان العالم العربي، أصبحت صخوراً مكشوفة ومعرضة لا تنبت على قممها أو منحدراتها أشجار ولا حتى شجيرات. وغدت الصحارى تتمدد بفضل إهمال الأرض وشحّة المياه. كل هذه الأضرار الطبيعية التي بدّلت في منظر الأرض العربية جاءت بفعل الجهل أو التجاهل رغم الأصوات القليلة التي ارتفعت هنا وهناك تنذر بما تحمله هذه التغيرات السلبية على حياة الإنسان العربي وعلى بيئته التي عاش أجيالاً بفضلها وبفعل تفاعله معها واستفادته مما تقدمه له من غذاء وماء وحماية مجانية وثروة لا تقدر.

اليوم تتبدل الصورة شيئاً فشيئاً، إذ نشطت جماعات تؤمن بالثروة البيئية تدعو إلى العودة إلى الأرض واستصلاحها لتصحيح الأضرار المتراكمة في محاولة لوقف التصحر بكل أشكاله، إن في السهول الملاصقة للصحاري أو في الجبال التي تجردت من خضارها أو في الأنهار التي نضبت.

دعت هذه الجماعات إلى البدء بإقامة المحميات وإعادة إحياء الارض وحماية الحيوانات والطيور البرية التي عاشت فيها وهجرتها يوم لم تعد تجد فيها غذاء وحماية.

تنتشر الآن محميات كثيرة في البلدان العربية كافة، وهي في ازدياد. وقيمة هذه المحميات ليست فقط في تجميل المناظر الطبيعية بل في إعادة الحياة إلى أرض قحلت وجلب ما هجرها من حيوان وطير وبالتالي إخصاب الطبيعة التي تزداد غنى كلما زادت مقومات العيش فيها.

فالغابات الكثيفة تعدّل المناخ وتستدر الأمطار فتعود الأنهار والبحيرات إلى ما كانت عليه وتخصب الأرض بفعل ذلك. والطير المتنقل في المحميات وما حولها يسهم، كما الحيوان البري العائد إلى هذه الأرض، بما ينقله إليها من مواد طبيعية مخصّبة ومسمّدة.

وللمحميات جمالها للزائر والسائح. فهي عنصر جذب كبير لنوع معين من السائحين والدارسين والمهتمين بشؤون الطير والحيوان والتربة والأشجار والبيئة بشكل عام.

لبنان

في لبنان اليوم حوالى تسع محميات ناشطة. فقد أقيمت سنة 1966 محمية أرز الشوف تغطي 5 بالمئة من مساحة البلاد على ما يقارب 550 كيلومتر مربع. وتقع هذه المحمية على ارتفاع يتراوح بين ألف وألفي متر عن سطح البحر فوق قمة ومنحدرات جزء من جبل لبنان الواقع بين منطقتي الشوف والبقاع. تضم هذه المحمية، التي يعاد زرع أشجار الأرز فيها على نطاق واسع 25 بالمئة من شجر الأرز اللبناني. وهي اليوم تستضيف 27 نوعاً من الحيوانات اللبونة البرية بعضها نادر الوجود عالمياً. ويعيش فيها حوالى 200 نوع من الطيور منها 19 نوعاً نادراً.

وفي المحمية، فضلاً عن شجر الأرز 524 نوعاً من النباتات والأشجار بينها 16 شجرة نادرة على المستوى المحلي وست شجرات نادرة على المستوى العالمي.

وفي الشمال تستعيد غابة الأرز الأقدم في بشري بعض الحياة. فمحمية أرز بشري التي أنشئت سنة 1975 تمكنت بفضل المساعدات المحلية والخارجية من إعادة تشجير 80 بالمئة من الغابة ذات المساحة البالغة 110 كيلومترات مربعة. ويجري التحضير لتوسيع هذه المساحة إلى حوالى ألف كيلومتر. كما يجري البحث في ضم هذه المحمية إلى منطقة وادي قديشا الأثرية القريبة لتشكلا منطقة طبيعية واسعة تقع تحت حماية طبيعية موحدة. ويجدر الإشارة إلى أن محمية الأرز ما زالت تضم ثلاث أرزات عمرها 3000 سنة وعشر أشجار من الأرز يعود عمرها إلى حوالى ألف سنة. أما الأشجار الباقية وعددها 363 شجرة فتتفاوت أعمارها بين مئة ومئتي سنة.

وعلى مقربة من بشري أقيمت محمية في إهدن تدعى "محمية حرج إهدن" أنشئت عام 1992، مساحتها عشر كيلومترات مربعاً ثلثها مشجر والباقي يجري زرعه من جديد. والمحمية هذه تضم حالياً 1030 نوعاً من النباتات بينها 39 نوعاً من الأشجار و300 نوع من الفطر البري و30 نوعاً من الأوركيد فضلا عن أنواع عديدة من الطيور والحيوانات.

وفي تنورين أنشئت أيضا سنة 1992 محمية أرز
تنورين حيث تعيش أشجار من الأرز من أنواع متعددة. كما تضم المحمية 150 نوع من الشجيرات والأزهار البرية فضلا عن أنواع برية من الحيوانات والطيور. وهي تغطي 6 آلاف كيلومتر تعيش فيها 60 ألف شجرة بعضها عمره أكثر من ألف سنة.

تعتبر محمية اليمونة التي أنشئت سنة 1999 والواقعة على المنحدرات الشرقية لجبل لبنان بمحاذاة الحدود السورية الأهم بين محميات لبنان. واليمونة، أي البحر الصغير، بحيرة طبيعية تقع على علو يتراوح بين 1500 و2000م تغذيها 6 أنهار و84 نبعاً موسمياً. فيها 1736 نوعاً من النباتات بينها أعداد كبيرة نادرة وذات منافع طبية. في المحمية أنواع كثيرة من الحيوانات البرية فضلا عن الطيور المقيمة أو المهاجرة التي تأتيها من أجزاء أوروبية وآسيوية. وتعيش في البحيرة أنواع نادرة من الأسماك منها نوع خاص بها وثلاثة أنواع من الضفادع.

وليس بعيدا عن اليمونة يقوم مستنقع عميق في البقاع، وهو مستنقع غني بأشجاره يرتفع 875 متراً عن سطح البحر وتزوره بشكل دائم الطيور المهاجرة بأنواعها المتعددة. وفيها الثعلب الأحمر والخنزير البري والأرانب البرية.

وفي عكار وهي منطقة تقع في شمالي لبنان غابة القموع الطبيعية وهي الأكبر تضم عشرة ملايين شجرة ومئات الشجيرات والنباتات المزهرة. وفي جزء منها في بلدة فنيدق تعيش 400 ألف شجرة من نوع واحد. وهي منطقة فريدة في جمالها وتنوعها. وعلى مقربة تقوم محمية كرم شباط على بعد عشرة كيلومترات من بلدة القبيات ومساحتها 3000 كيلومتر مربع تضم أعداداً كبيرة من الحيوانات شبه المنقرضة وعدداً من الأشجار والنباتات النادرة.

وعلى الساحل اللبناني بدءاً من صور المدينة التاريخية أنشئت محمية سنة 1998 سميت "محمية شاطئ صور" وهي تمتد على مساحة 4 كيلومترات مربعة تقريباً مقسمة إلى ثلاثة أقسام أهمها القسم المتعلق بالمحافظة على الحيوانات والنباتات البحرية.

وفي الشمال مقابل طرابلس ثلاث جزر كلها محميات طبيعية. جزيرة النخيل هي أكبر هذه الجزر. وأهمية هذه الجزر أنها تضم أنواعاً متعددة من النباتات والحيوانات البحرية وتزورها الطيور المهاجرة بينها طيور كبيرة جارحة كالنسر.

الخميس، 11 مارس، 2010

من يحمي «محميّة اليمّونة» الطبيعية؟

نبع الاربعين الأثري في المحميةنبع الاربعين الأثري في المحميةغربي بعلبك ــ رامح حمية

تعدّ محمية اليمونة مرتعاً للجمال الطبيعي النادر، وتمثّل معلماً سياحياً بارزاً ومقصوداً خلال مواسم الاصطياف بالنظر الى غنى المحمية بالآثار والنباتات، والحيوانات والطيور، ولكونها أيضاً تحتضن اكبر تجمع للمياه الجوفية العذبة في الشرق الاوسط، وهي احدى المحميات الطبيعية السبع في لبنان إذ أنشئت بقانون رقم 10/شباط 1999.
وتترامى محمية اليمونة الطبيعية في ثلاث محافظات: البقاع، وجبل لبنان، والشمال بمساحة تتجاوز 528 هكتاراً، وترتفع بتفاوت ما بين 1450 و3000 متر عن سطح البحر، الأمر الذي يجعلها تتمتع بخمسة اقاليم مناخية متنوعة، فمن جبلي بارد جداً (النظام الألبي) ومتوسطي معتدل، الى شبه صحراوي، فرطب.
التنوع المناخي جعل من المحمية ارضاً خصبة تزخر بغطاء نباتي كثيف ونادر. فقد اكتشف الدكتور ناصر شريف المختص في علم النبات، أكثر من 1750 نوعاً من النبات، بالإضافة الى 92 نوعاً محلياً تختص بها محمية اليمونة الطبيعية دون غيرها. ويرى شريف «ان المحمية تمتاز بشجر «اللزاب» (اكثر من 12 نوعاً) تمّت دراسة اربعة انواع منها فقط».
وأوضح شريف «ان هناك ارتباطاً نوعياً بين نباتات المحمية ونباتات جبال الألب (حشيشة الإوز)، ونباتات حوض المتوسط (الزعتر ـــ المريمية) نباتات إيران (الشيح) ونباتات المستنقعات الرطبة (القرّة).
اما بالنسبة الى موقع محمية اليمونة، بين جبال المكمل والمنيطرة وصنين، فقد جعل منها خزاناً طبيعياً للمياه الجوفية العذبة، فهي تقبع في منخفض جبلي يستقطب المياه. وأشار شريف إلى أن «المحمية من اغنى المحميات بالمياه لكونها تحتضن اكبر تجمّع للمياه العذبة في الشرق الأوسط، وهي تتميز بغزارة مياهها اذ يوجد فيها نحو 85 نبعاً مائياً اشهرها على الاطلاق نبع الاربعين الأثري. وتحتضن في مياهها العذبة سمكة اليمونة الذهبية والتي خصّها شريف بأنها لا توجد في اي مكان في العالم الا حصرياً في محمية اليمونة.
وتمثّل محمية اليمونة الطبيعية، سواء لناحية مساحتها الكبيرة ام لناحية غطائها النباتي والمائي الكثيف، الملاذ الآمن لعدد كبير من الحيوانات والطيور المقيمة والمهاجرة، بالإضافة الى الحشرات التي لم تتم دراستها حتى الآن.
وأشار شريف الى أن المحمية تزخر بالحيوانات التي النادرة، فقد شوهد فيها «دب» في عامي 1996 و 2004، يرجّح شريف فكرة ان فصيلته تعيش في وادي «شير الدبي» وهو واد يقع ضمن نطاق المحمية، معتبراً أن هذا النوع من الدببة هو امتداد للنوع الموجود في «غابات البسيط» في سوريا. ومن الحيوانات النادرة ايضاً، حيوان يطلق عليه اسم «الوشق».
وقد تم اكتشاف اكثر من تسعة انواع من الثدييات وثلاثة انواع من القطط البرية بمساعدة فريق عمل من الجامعة الاميركية، بالإضافة إلى الذئاب والضباع وينات آوى.
اللوحة الجمالية في محمية اليمونة الطبيعية اكتملت بآثار تعود الى حقب زمنية بعيدة (رومانية، بيزنطية، يونانية، وعربية) ومن هذه الآثار «معبد ادريانو» الذي يعود الى عام 134م. و«معبد إله الماء» وهذه الآثار تبعد عن قلعة بعلبك نحو 8 كيلومترات فقط.
الجدير ذكره أن هذه المحمية تعاني عدداً من المشاكل والمعوقات التي يحاول الاهالي والبلدية مواجهتها «بشق النفس» وبكل السبل والوسائل الممكنة. ويقول رئيس بلدية اليمونة طلال شريف إن «المحمية منسية ومحرومة من الدولة خلافاً لما هي عليه المحميات الست الاخرى». وأضاف ان «محمية اليمونة لم يتم تعيين لجنة رسمية لها ولا حتى حراس، إضافة إلى غياب اي دعم مادي أو مساعدة من وزارة البيئة من الهبات التي تقدمها الدول الاوروبية اسوة بباقي المحميات في لبنان والتي تتلقى الهبات بالملايين».


عدد الاربعاء ٢٥ نسيان ٢٠٠٧ |